الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس بالمؤسسات الجامعي

الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس في مؤسسات التعليم العالي
أستاذ كريم بولعابي دكتور دولة في القانون.
شهدت المحاماة التونسية عدة تطورات على مختلف الحقبات التاريخية التي مرت بها، ومن أهمها إلغاء التمييز بين « الوكلاء لدى المحاكم الشرعية » و »الوكلاء لدى المحاكم التونسية » في سنة 1952، كما تم إنهاء مهام الوكلاء لدى محاكم الأحبار اليهود وتوحيد سلك المحاماة بموجب القانون رقم 37- 1958 المؤرخ في 15 مارس 1958 المنظّم لمهنة المحاماة. وقد جاء هذا القانون على غرار القانون الفرنسي متضمنا تعدد العمادات، وأحدثت ثلاث عمادات وهي عمادة تونس العاصمة وعمادة صفاقس وعمادة سوسة، ثمّ تم بمقتضى قانون 24 ماي 1963 توحيد الهيئات.
وتلا قانون 37 لسنة 1958، القانون عدد 87 لسنة 1989 المؤرخ في 7 سبتمبر 1989 الذي مهد للامركزية هيكل التسيير، إذ تمت المحافظة على عمادة وطنية واحدة تحت مسمى « الهيئة الوطنية للمحامين » مع إسناد صلاحياتها إلى ثلاثة فروع وهي فرع تونس العاصمة وفرع سوسة وفرع صفاقس.
وأدخل على قانون 87 لسنة 1989 تنقيحا تمثل في إحداث معهد أعلى للمحاماة تحت إشراف السلطة التنفيذية بمعية الهيئة الوطنية للمحامين.
وإثر الثورة تم إصدار مرسوم تعلق بتنظيم مهنة المحاماة من جديد بتاريخ 20 أوت 2011 أدخل عدة تحسينات على نظام مهنة المحاماة من بينها إعادة صياغة تعريف مهنة المحاماة وتوسيع نطاق تدخل المحامي وتغيير فحوى اليمين والمحافظة على سر المهنة وإمكانية تخصيص نسبة من قيمة ما سيتم تحقيقه وإسناد صفة الديون الممتازة للأتعاب والمصاريف التي صرفها المحامي وحماية المحامي بما يكفل أداءه لواجب الدفاع، كما شملت الحماية أعضاء مجلس الهيئة ومجالس الفروع الذين في نظر المرسوم يعدون سلطا إدارية وتم تجريم السمسرة وانتحال الصفة وممارسة مهام المحامي دون وجه قانوني.
واستمد الدستور تعريف المحاماة من المرسوم فـــ »المحاماة مهنة حرة مستقلة تشارك في إقامة العدل والدفاع عن الحقوق والحريات. » جاعلا ضمانات حماية المحامي عند ممارسته لمهنته دستورية المصدر إذ « يتمتع المحامي بالضمانات القانونية التي تكفل حمايته وتمكنه من تأدية مهامه. »
ورغم أهمية التعديلات المدرجة في المرسوم بقيت بعض الفصول تطرح نقاشا ومن بينها خاصة مجال تدخل المحامي والجمع بين مهمة الدفاع ومهمة التدريس بالمؤسسات الجامعية، الجمع الذي صار ممنوعا منذ سنة 1989 لغايات سياسية لا تخص قطاع المحاماة.
ومن المؤكد أن الخيار بين الجمع أو منع الجمع يتجاوز تحصين مهنة المحاماة لأن تحصين المهنة يستدعي مواجهة تحديات العولمة ونقص الدخل الشهري وتعدد صور انتهاك أخلاقيات المهنة والسمسرة التي تفاقمت وإهدار مصادر صندوق الحيطة والتقاعد من الغير، مما يستدعي إيجاد آليات رقابة قانونية وواقعية أفضل، والتفكير في صياغة قواعد أخلاقيات المهنة، وحوكمة إدارة صندوق الحيطة والتقاعد والاستقلال ببيع الطوابع، والتنصيص على إمكانية التحاق المحامين لدى التعقيب بالقضاء والقضاة بالمحاماة كقاعدة تستخدم بمثابة المعاملة بالمثل، وتشجيع المحامين على فتح مكاتب خارج العاصمة بمساعدتهم ماديا وذلك بتمكينهم من قروض وإحاطة، والإسراع في توزيع ملفات المؤسسات العمومية والبنوك على المحامين، والعمل على إنشاء تخصصات للمحامين بمثل تخصص المحامي بالاستشارات القانونية دون سواه.
من المعلوم بداهة أن حل مشاكل قطاع المحاماة لا يكمن في منع المحامي من تدريس القانون بالمؤسسات الجامعية خاصة أن الجمع كان جائزا وبصورة مبدئية طوال نصف قرن وإلى حدود 1989.
وهذا التحوّل التشريعي المفاجئ في تنظيم مهنة المحاماة والتضييق في ممارسة حق التدريس يستدعي تقييما. ما دام الجائز صار اعتباطا ممنوعا والمبدأ تحول استثناء.
إن منع الجمع الوارد بمرسوم تنظيم مهنة المحاماة عدد 79 لسنة 2011 والقانون عدد 87 لسنة 1989 (فصل1) والصور الاستثنائية لها (فصل 2) تستحقان تقييما ومراجعة.
الفصل 1: تقييم منع الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس
إن المنع كيفما ورد بالمرسوم 79 لسنة 2011 أو بموجب القانون عدد 87 لسنة 1989 موضوع نقد لعدة اعتبارات (فقرة1) مما يستدعي تقديم حجج تجاوزه نهائيا (فقرة2).
الفقرة 1: نقد منع الجمع
يعود منع الجمع تاريخيا إلى إعادة تنظيم مهنة المحاماة بموجب القانون عدد 87 لسنة 1989 (أ)، واستمر اعتماد نفس الأسس في صياغة مرسوم مهنة المحاماة الحالي (ب).
أ‌- محدودية الأساس التاريخي للمنع
تم تكليف محمد الشرفي من طرف الرئيس المخلوع بالإشراف على وزارة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي بين سنوات 1989 و1994 وعلى إثر ذلك بادر هذا الأخير بتقديم مشروع يخص تنظيم التعليم العالي وأدخل عدة تعديلات جذرية على نظام التدريس الذي شمل الطلبة والمدرسين.
وفي هذا الإطار تولىت السلطة التنفيذية سنة 1989 تقديم مشروع قانون جديد ينظم مهنة المحاماة أشتمل على قواعد تمنع الجمع بين مهنة المحاماة ووظيفة التعليم العالي. وفي نفس السياق تم إصدار أمر يمنع الجمع بين المهنتين.
ولم يقف الأمر 1217-1990 عند منع كل مدرس رسم في جدول المحاماة بعد قانون 1989 ولكن المنتدب أول مرة بالتعليم العالي وكان مرسما بإحدى جداول المحامين وكذلك المحامين الذين هم في وضعية غير مباشرة.
ولم يكتف أمر 1217-1990 عند هذا الحد من الجور ولكنه منع المدرسين الذين لهم الحق في الجمع من الترشح والتصويت في الانتخابات الجامعية وخاصة في مجالس الجامعات والمجالس العلمية والمجالس الاستشارية ووحدات البحث ومجالس الأقسام واللجان الاستشارية ولجان الانتداب واللجان الإدارية المتناصفة إذ منعهم من النشاط العلمي وغيره من الأنشطة الجامعية.
كما لا يمكنهم انتخاب رؤسائهم ! إذ منعهم من الانتخاب أو من أن يكونوا معينين لشغل مناصب رؤساء جامعات، أو عمداء أو مديرين أو مساعدين لهؤلاء. ومكنهم الأمر عدد 1944-2000 الذي نقح الأمر 1217-1990 في فصله الأول من انتخاب العمداء والمديرين. ولكن من الواجب تجاوز جميع صور المنع الواردة بالأوامر الحالية والرجوع إلى ما سبق أمر 1217-1990 المؤرخ في 09/07/1990 تحقيقا للمساواة.
وبمجرد الوقوف عند الأسباب السياسية الداعية إلى إقحام قاعدة منع الجمع نتأكد أن مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة لسنة 1989 لم يعرض على المعنيين من محامين ومدرسين جامعيين وطلبة، وقامت السلطتين التنفيذية والتشريعية بتمريره رغم المعارضة التي واجهها المشروع سواء من المدرسين الذين أضربوا في عدة مناسبات أو الطلبة. وتم فرضه رغم ما يشمله من نقائص وتلجيم ومحاصرة وقمع المعارضين.
ومن بين نقائص القانون المذكور عدم الاكتراث بمبدأ الأمان القانوني، المبدأ الذي يستوجب استقرار النظام التشريعي وعدم إحداث تغيير مفاجئ من شأنه أن يغير في الحقوق المكتسبة أو في المراكز المنتظرة المستقبلية، ولقد اكتفى قانون 87 لسنة 1989 بتمكين المدرسين المباشرين من الجمع، دون الطلبة الناجحين سواء في مناظرة المساعدين أو المحامين.
إن التمسك بقاعدة المنع ليس سوى تأييد للظلم وللحيف.
ومن المنطقي أن تتم مراجعة النصوص المسقطة التي أدخلت على قانون مهنة المحاماة قبل الثورة بتعديلها كيفما جاء في دستور 2014، باعتبار مقاومة الظلم والفساد بإدخال الإصلاحات والتعديلات الضرورية تعد من أهداف الثورة.
ب‌- محدودية الأساس الواقعي للمنع
إن الحد من البطالة مبرر واه لمنع الجمع، غايته إضعاف القطاع (أولا) وحل أزمة العجز الحكومي (ثانيا). بالمنع المفروض على سلك المحامين والمدرسين الجامعيين تم الوصول إلى غايتين معا وتم تمرير مشروع قانون 1989 دون معارضة شديدة من هيئة المحامين آنذاك والغريب أن يتواصل صمت الهياكل بعد الثورة.
أولا: منع الجمع لتطويع المحاماة
تتمثل غاية تطويع قطاع المحاماة من طرف السلطة التنفيذية في إفراغ المحاماة من الجامعيين باعتبارهم حاملين لشهادات عليا يقدمون النفع سواء للهياكل أو للمتقاضين أو لزملائهم ويساهمون في تطوير فقه القضاء. لقد قدم المحامون المدرسون النصح للهياكل والعون بتأطير المحامين وتكوينهم وتدريبهم مجانا وإلقاء الدروس في معهد المحاماة منذ إنشائه.
كما أرادت السلطة التنفيذية منع المدرسين الناشطين في نقابة التعليم العالي من الالتحاق بالمحاماة مستقبلا، وهو ما مكن سلطة الاستبداد من إضعافهم في فترة كانت فيها النقابة تمر بأزمة ثقة وهي الفترة التي سماها النقابيون بالعشرية السوداء. ولم تكن سوداء على النقابة فحسب ولكن على المحاماة كذلك.
ثانيا: منع الجمع لحل أزمة العجز الحكومي
عجزت الحكومة أمام تفاقم البطالة من تقديم الحلول المناسبة، وخاصة بطالة حاملي شهادات الإجازة.
وتضاعف عدد المحامين حسب توقعات السلطة التنفيذية التي أرادت حل مشكل البطالة في تونس من خلال تمكين خريجي كليات ومعاهد الحقوق من شغل. وتسبب تعدد المدخل للمهنة تفاقم عدد المحامين إلى أن اختنق قطاع المحاماة وتعددت مشاكله، وصار المحامون يعانون من البطالة.
وحققت سياسة القمع غايتها المنشودة، تجويع المحامين ليسهل استقطابهم في الحزب المسيطر على السلطة، فمنهم من اغتر ومنهم من صبر. والعزة للصابرين.
فهل علينا تحمل تداعيات سياسة الفساد؟
لمن المفيد التأكيد للتذكير أن البطالة التي تعاني منها الدولة في تلك المرحلة (وغيرها من المراحل) ليس على قطاع المحاماة تحملها، ولكن من المعضلات التي على السلطة التنفيذية إيجاد الحلول لها، إذ ليس الحل في منع الجمع بين نشاطين متكاملين فالذي جعل الموظف يبحث عن مورد رزق إضافي مثلا هو النقص في الأجر. ولقد اعتبر مجلس الدولة الفرنسي أن من وسائل محاربة البطالة الترفيع في أجور الموظفين العموميين، وهي من الوسائل التي تتخذها الدول المتطورة. ولا يكمن الحل في حرمان الموظفين من تعاطي بعض المهن كتقديم الاستشارات والاختبارات أو التأليف أو الفلاحة أو المحاماة، ويجوز لهم أيضا حسب مجلس الدولة الجمع مع وظيفة عمومية أخرى كالتدريس. وانتهى هذا الرأي الاستشاري إلى إقصاء المنع.
الفقرة 2: تجاوز منع الجمع
إن منع الجمع بين مهنة المحاماة ووظيفة التدريس في التعليم العالي قاعدة دخيلة على نظام مهنة المحاماة وطالما تجاوزها المشرع لوجود ترابط عضوي (أ) وآخر مصيري بين المحاماة والتدريس (ب).
أ‌- الترابط العضوي بين المحاماة والتدريس
يقصد بالترابط العضوي الالتقاء بين المجال النظري الذي يبيّنه مدرس التعليم العالي والمجال التطبيقي الذي يكرسه المحامي، بينما يقدم المدرس المعطى النظري في المؤسسات الجامعية بمختلف أصناف الدروس مستأنسا بالأمثلة التطبيقية، يقوم المحامي بحكم عمله، بتكييف الوقائع والأفعال تقييما أوليا وتقديمها للقضاء للفصل فيها.
ويكون المحامي في حاجة دائمة إلى المعطى النظري والمدرس في حاجة إلى المعطى التطبيقي. تبدو العلاقة بين الاجتهاد والتطبيق جدلية بالضرورة، هذا يحرك الآخر. والفصل بينهما مفسدة ما دامت العلاقة ناتجة لفائدة مصيرية.
ب‌- الترابط المصيري بين المحاماة والتدريس
إن للترابط بين المحاماة والتدريس فوائد متعددة وقد تنتهي إلى الارتقاء بالمحاماة وبوظيفة التدريس. ونتاج ذلك إحداث قيمة مضافة لكليهما.
1- إحداث قيمة مضافة للتدريس في المؤسسات الجامعية
تكمن الفائدة من الجمع مع مهنة أخرى في تحسين أداة الموظف العمومي بتطوير تخصصاته وتنويعها. وتحدث الفائدة بالنسبة لمن يتعاطى التدريس كوظيفة في إدراك مدى انطباق النظرية واقعا ومدى صحتها فعلا، وفي مدى انطباق الفصول القانونية وعلاقتها بغيرها من الفصول وبالمجالات القانونية المتنوعة التي تغيب عن المدرس غير الجامع بين وظيفته ومهنة المحاماة. ومهما اطلع المدرس على الصور الفقه قضائية فإن الصور المنشورة أو المتحصل عليها لا تجيب عن جميع جوانب الإشكال القانوني.
ويتحقق تطوير الفكر القانوني بعد التجربة، ففي محك التجربة يتطور المعطى النظري ويتطور النص القانوني وإذا حدثت الفائدة للمدرس تحدث الفائدة للطالب وللفقه ولفقه القضاء على حد السواء.
2- إحداث قيمة مضافة للمحاماة
يتعمق فهم انطباق الفصل القانوني من خلال فهم مجاله وأسسه وتطوره التاريخي والفقهي. إذ يغيب عن المحامي غير المدرس الإحاطة بتلك المعطيات الأساسية والتي تجعله يطور في قدرات دفاعه من خلال تطوير أساليب ووسائل تقديم الدعاوى والرد عليها. ويستثنى المحامي دائم التطلع والحامل لشهادات عليا، بيد أن الابتعاد عن مدارج المؤسسات الجامعية يعيق تطوير البحث والمعرفة. ويكمن الحل في إجازة الجمع.
الفصل 2: إجازة الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس
يجوز الجمع إما حاليا بصورة استثنائية (الفقرة 1) أو بصورة مبدئية إن تم إرجاع الحالة إلى ما كنت عليه (الفقرة 2).
الفقرة 1: الصورة الاستثنائية
من صور الجمع بين المحاماة والتدريس ما هو صريح ولكن منقوص(أ) وما هو اجتهادي ولكنه منتقد (ب).
أ‌- صورة صريحة منقوصة
عملا بالفصل 22 من مرسوم 79 لسنة 2011 منع مشرع ما بعد الثورة مقلدا مشرع فترة الاستبداد، الجمع بين المحاماة والتدريس ولم يستثن سوى الحقوق المكتسبة من البعض قبل07/09/1989 وهم المرسمين بجدول المحاماة قبل 07/09/1989.
ومن المشار له أن هذا المنع لم يكن موجودا قبل قانون 87 لسنة 1989 فقانون 37 لسنة 1958 لم يمنع الجمع بين المحاماة والتدريس واستثناه من المنع إذ ورد بالفصل 22 تحت باب حقوق المحامين وواجباتهم »لا يجوز الجمع بين المحاماة وبين القيام بأي وظيفة عمومية ما عدا إلقاء الدروس بالكليات أو بمدارس الحقوق أو القيام بمهمات من شأنها أن تستوجب إعطاء منحة من صندوق الدولة أو المؤسسات العمومية أو الجماعات المحلية وهي لا تتماشى مع تعاطي التجارة بأنواعها. » وهو ما يؤكد أن هذا المنع غريب عن مهنة المحاماة وعلى وظيفة التدريس كيفما نظمتها القوانين الدنيا في جميع العصور، كالقانون الجزائري والقانون الموريتاني والقانون الليبي والقانون اللبناني والقانون الفرنسي والقانون البلجيكي.
والتضييق الذي يمارس على المدرسين بالمؤسسات الجامعية بمنع بعضهم دون الآخر من ممارسة مهنة المحاماة مثلما دأب عليه مشرع 1989 ومشرع 2011 يعد إخلالا بمبدأ المساواة وخرقا لحق التعليم ولحق الشغل خاصة أنه لا توضع أي ضوابط « إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير او لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها »، إذ رجوعا إلى ضوابط الفصل 22 من المرسوم نلاحظ أنها لا تتعلق بأي حد من الحدود التي رسمها الفصل 49 من الدستور، فلا أمن عام ولا دفاع وطني ولا آداب ولا صحة عامة ولا حقوق غير قد انتهكت.
« وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك… » وهو ما يجعل من الفصل 22 من المرسوم قابلا للإلغاء.
ويقاس على هذه الصورة، صورة التضييق في ممارسة مهنة المحاماة على فئة دون أخرى. وسبق أن تعرضت المحكمة الدستورية المصرية لطعن في مادة من قانون المحاماة منعت ممارسة المحاماة على البعض من الموظفين، وقضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية المادة (15) من قانون المحاماة الصادر برقم 15 لسنة 1983. وكانت المادة 15 تنص على أنه « لا يجوز لمن ولي الوزارة أو شغل منصب مستشار بإحدى الهيئات القضائية وأساتذة القانون بالجامعات المصرية أن يمارس المحاماة إلا أمام محكمة النقض وما يعادلها ومحاكم الاستئناف وما يعادلها ومحاكم الجنايات ومحكمة القضاء الإداري. »
ب‌- صورة اجتهادية منتقدة
تطرق الفصل 3 من مرسوم 79 لسنة 2011 إلى شروط الترسيم بالباب الثاني منه، وعددها حصرا وهي ألجنسية، الإقامة، الحالة الصحية، السن، الكفاءة (شهادة الكفاءة للمهنة أو ما يعادل الحصول عليها: شهادة الدكتوراه، من له رتبة أستاذ محاضر فما أعلى)، عدم الارتباط بعلاقة شغلية أو وظيفية، الخلو من السوابق العدلية، تسوية الوضعية إزاء الخدمة الوطنية.
وقد يوحي إقحام من له رتبة أستاذ محاضر فما أعلى بالفصل 3 من المرسوم إلى أن المشرع سمح لهؤلاء الجمع بين المحاماة والتدريس، يبدو التأويل مستساغا والاجتهاد ممكنا.
ولكن يتم ترسيم المحامي بجدول المحامين المتمرنين بعد توليه تقديم جميع الوثائق « المنصوص عليها بالفصل 3 من هذا المرسوم »، ومن بينها ما يثبت الكفاءة وهي إما شهادة الكفاءة أو الدكتوراه أو الحصول على رتبة أستاذ محاضر فما أعلى.
ويفهم من الفصل 3 الوارد تحت الباب الثاني في شروط الترسيم أنه يتعلق بالترسيم ولا بمباشرة للمهنة، أي بما سماه المشرع « حقوق وواجبات المحامي » بمعنى أن من له رتبة أستاذ محاضر أو أستاذ تعليم عالي يرسم ولكن لا يجوز له الجمع لأن الفصل 22 من ذات المرسوم لم يستثن الأساتذة المحاضرين ولا أساتذة التعليم العالي.
وحتى لا يتناقض المشرع مع نفسه وحتى تكون للفصول انسجاما يجوز لهؤلاء الترسيم ولا يجوز لهم الجمع، فمباشرة مهنة المحاماة بعد الترسيم بجدول المحامين يستوجب الانقطاع عن التدريس.
كما أن المشرع لم يتطرق بالفصل 22 إلا « المدرسين بمؤسسات التعليم العالي المرسمين بجدول المحاماة قبل 7 سبتمبر 1989 » دون سواهم. وبالتالي يعد مجال الاستثناء هو الفصل 22 الوارد بالباب الرابع في حقوق المحامي وواجباته وليس الفصل 3 أو غيره من فصول المرسوم.
ونفيد أن الفصل 3 عندما تطرق إلى شروط الترسيم أورد شرطا آخر لاحقا لشرط الكفاءة وهو الخلو من كل علاقة شغلية أو وظيفية مع الذوات العامة والخاصة. وهذا الشرط الوارد بعد شرط الكفاءة السالف البيان لم يشمله أي إستثناء مما يقصي جواز الجمع لمن له رتبة أستاذ محاضر فما أعلى. كما أن غاية المشرع من المنع تتناقض مع استثناء الأساتذة المحاضرين أو أساتذة التعليم ألعالي فلا وجود لما يبرر استثناءهم عن غيرهم من المدرسين.
ونختم بأن الهيئة الوطنية للمحامين ستبقى رهينة سياسة التوظيف والتشغيل لوزارة التعليم العالي باعتبار أن الوزارة هي التي تتولى تنظيم مناظرات الانتداب أو الترقية في رتبة أستاذ محاضر أو أستاذ تعليم عال، ولا نرى جدوى من الإبقاء على هذه « الإضافة » في الفصل 3 من المرسوم.
إن الإضافة المسقطة الواردة بالفصل 22 في غير موضعها ومن المجدي تعديلها بحذفها مع حذف منع الجمع بين المحاماة والتدريس في المؤسسات الجامعية بصورة مبدئية.
الفقرة 2: الصورة المبدئية
إن منع الجمع يتعارض مع الجمع المرخص به في الوظيفة العمومية، وفي مهن حرة أخرى (1) كما يتناقض منع الجمع مع جواز اضطلاع المحامي ببعض المهام الأخرى (2).
أ‌- القياس على بعض المهن الحرة
إن منع الجمع يتعارض مع الجمع المرخص به في مهنة عدول التنفيذ (1) ومهنة المهندسين المعماريين (2).
1- القياس على مهنة العدول المنفذين
من الضروري التذكير أن العدل المنفذ وإن مارس مهنته في إطار مهنة حرة، فإن له صفة المأمور العمومي. ويعود هذا الازدواج إلى شدة الرقابة المستوجبة على أعماله لمدى تعلقها بأعمال قضائية.
وأشار القانون الأساسي عدد 9 لسنة 2018 في فصله 23 على أنه  » يحجر على العدل المنفذ الجمع بين مهنته وأيّة وظيفة عمومية…باستثناء…تدريس القانون. » ومن الغريب أن يسمح المشرع لعدول التنفيذ تعاطي وظيفة التدريس الجامعي وينع المحامين من التدريس !
وكأن بأسباب المنع التي في مهنة المحاماة زالت في مهنة العدول المنفذين !
وهو ما يستدعي بالضرورة تعديل الفصل 22 من مرسوم 79 لسنة 2011 بإجازة الجمع بين المحاماة والتدريس بالمؤسسات الجامعية أو إزالة المنع من أي مشروع لاحق منظم لمهنة المحاماة.
1- القياس على مهنة المهندسين المعماريين
إن ممارسة مهنة المهندس المعماري تتعارض مع بعض المهن التي تولى حصرها المشرع بالفصل 2 من القانون عدد 46 لسنة 1974 وهي « مهنة المقاول أو الصانع أو المزود بالمواد وبالأشياء المستعملة في البناء أو السمسار في الأمتعة العقارية ».
وفيما عدى تلك المهن يجوز للمهندس تدريس مجال اختصاصه بالمؤسسات الجامعية، كما لا يتعارض التدريس مع أخلاقيات مهنة المهندس المعماري.
ب‌- من باب أولى
« يمكن للمحامي القيام خاصة بمهام التحكيم والوساطة والمصالحة والإئتمان والتصفية الرضائية والتعهد بعقود الوكالة وبأعمال التفاوض والتمثيل لدى المصالح الجبائية والإدارية وبمهام التكوين…والقيام بمهام عضوية مجالس الإدارة أو مجالس المراقبة في الشركات التجارية…كما يمكن له القيام بمهام الوكيل الرياضي أو وكيل الفنانين أو وكيل الملكية الفكرية أو الصناعية أو مهام التصرف الإئتماني ».
إن اضطلاع المحامي بمهام التكوين أو التصرف الإئتماني تستدعي التفرغ الجزئي بمثل التدريس، وشرط التفرغ ليس ضروريا في مهنة المحاماة ما دامت مهنة حرة كما لا يجبر المحامي على قبول النيابة إلا طوعا.
ولكن إن كان التفرغ ليس ضروريا في مهنة المحاماة ولا يمنع من اضطلاع المحامي مهمة التكوين أو مهمة التصرف الإئتماني فمن باب أولى وأحرى أن لا يمنعه من تدريس القانون بالمؤسسات الجامعية.
كما نشير إلى أن شرط التفرغ نسبي في التعليم العالي لأن المدرس مرتبط بمواعيد تدريس تختلف حسب الرتبة وليس مقيدا بساعات عمل ضرورية كسائر الموظفين العموميين.
وختاما وأمام التقييم والمراجعة والنقد لا يسعني سوى أن أنتهي إلى ما يلي:
– لمن الذوق السليم تعديل المرسوم 79 لسنة 2011 ولا إعداد مشروع قانون جديد ينظم مهنة المحاماة إذ لا تصاغ القوانين لمدة محددة احتراما للاستقرار القانوني حتى لا يصبح نظام مهنة المحاماة موضع شك وغرر.
-أن يتم الإبقاء على مجمل فصول المرسوم 79 لسنة 2011 ليستخدم كمشروع، حتى يتم تعديل بعض الفصول المتعلقة بحقوق وواجبات المحامي ومن بينها خاصة:
– دمج الفصل 22 في الفصل 23 لإتحاد الموضوع.
– تعديل الفصل 22 في فقرته الأولى ليصبح  » لا يجوز الجمع بين مهنة المحاماة ومباشرة مهنة أو نشاط بأجر عدا التدريس بالمؤسسات الجامعية. » وإلغاء ما بقي من الفقرة الأولى من الفصل.
– التطرق بالفصل 22 لواجب ممارسة مهنة المحاماة طبقا لأخلاقيات المهنة.
-أن يتم صياغة قواعد أخلاقيات مهنة المحاماة في إطار ورشات عمل مفتوحة للمحامين الراغبين في المشاركة في حصرها. ويتم عرضها على جلسة عامة للمصادقة عليها من طرف المحامين.
– الإبقاء على فقرتي الفصل 47 من المرسوم ضمانا لحياد القاضي الذي إن شعر بالإساءة يسيء. مع إضافة فقرة ثالثة لقاعدة الفصل 47  » إن حصل ضرر للغير بمناسبة مباشرة المحامي لمهنته فعليه جبره. » حتى يكون المحامي على درجة من المسؤولية أمام أفعاله. والمسؤولية مدنية بالفصل 47.
– إضافة مادة تلزم الشركات التي استوجب فيها المشرع محاسبا أن تنيب محام تتولى التعاقد معه سنويا كما لا يحق للمحامي أن يقبل توكيلا عن أكثر من 5 شركات ملزمة بالإنابة.